مجمع البحوث الاسلامية

206

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

من دون المؤمنين ، ثمّ هدّدهم بأنّ من يفعل ذلك من غير تقيّة فليس من اللّه في شيء ، أي لا ولاية ولا علاقة بينه وبين اللّه ، وهذا وعيد بالغ النّهاية . ثمّ حذّرهم نفسه مشفوعا بأنّ مصيرهم إلى اللّه ، مشيرا إلى أنّه يعاقبهم به ، فهذا كالصّريح في أنّ الحذر من اللّه حذر من عقابه ، وكرّر اسم الجلالة فيها ثلاث مرّات تشديدا وتهويلا . ثمّ أكّده في الثّانية بأنّ اللّه يعلم ولاءكم للكافرين سواء أخفيتموه في صدوركم ، أو أبديتموه بأفواهكم وسلوككم ، فإنّ اللّه بكلّ شيء عليم ، وهذا تهديد لمن والاهم سرّا ، ليكونوا لهم عونا لو دارت الدّوائر عليهم ، كما قال : تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ الممتحنة : 1 . ثمّ شدّد الأمر في الثّالثة بأنّ كلّ نفس تجد ما عملت من خير أو سوء ، مع الفصل بينهما بتكرار ( ما عملت ) تسجيلا للعدل في الجزاء ، ثمّ زاده تشديدا ، بأنّها تودّ أن يكون بينها وبين ما عملت أمدا بعيدا . وأخيرا كرّر يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ مع تفاوت للأوّل ؛ حيث ذيّلها بما يبعث على الرّجاء والأمل وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ، في حين أنّه ذيّل الأوّل بما يوجب الهول والحذر : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ وبذلك فقد قارن اللّه - كعادته - الإنذار بالتّبشير تقديما الأوّل على الأخير ، وتلطيفا في الخطاب بلفظي « رؤوف » و « عباد » وقد كرّر فيها اسم الجلالة مرّتين تخفيفا في التّهويل . ثالثا : ما يرجع فيه الحذر صريحا إلى أفعاله تعالى 3 آيات ( 3 و 4 و 15 ) أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ، و يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ، و يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ * إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً وفيها بحوث أيضا : 1 - جاء في الأوليين ما يتعلّق بالدّنيا والآخرة معا : ففي الأولى إصابة فتنة في الدّنيا ، وعذاب أليم في الآخرة ، وفي الثّانية الحذر من العذاب في الآخرة ورجاء الرّحمة في الدّنيا ، أو في الدّنيا والآخرة معا . وكذا في الأخيرة جمع بين رجاء الرّحمة وبين الخوف والحذر من العذاب ، مع تقديم الرّجاء فيها على الحذر عكس الثّانية ؛ حيث قدّم الحذر فيها تنويعا في الإنذار والتّبشير وتفنّنا في الإرشاد والتّبليغ . قال الفخر الرّازيّ في هذا المجال : « إشارة إلى أنّ الإنسان عند المواظبة ينكشف له في الأوّل مقام القهر ، وهو قوله : يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ثمّ بعده مقام الرّحمة ، وهو قوله : وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ » ونقول : من كمال المعرفة للّه حصول الخوف والرّجاء معا في القلب ، ولعلّ المطلوب التّسوية بينهما ، غاية الأمر ، المؤمنون متفاوتون في درجات المعرفة ، أو في حالات التّقرّب والعبادة ، فقد يتجلّى لهم من اللّه مقام اللّطف والرّحمة فيتلوهما الرّجاء في القلوب . وقد يتجلّى لهم مقام القهر والنّقمة ، فيتسرّع إليها الخوف والخشية ، ومن هنا نشأ التّفاوت بين الآيتين تقديما وتأخيرا . على أنّ الأخيرة جاءت في حقّ من هو قانت باللّيل من المؤمنين ، أمّا الثّانية فيحتمل اختصاصها بالأنبياء المذكورين قبلها ، كما فسّرها الطّبرسيّ ج 3 ص 422 ، لاحظ : « خ وف : الخوف والرّجاء » .